الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

154

مناهل العرفان في علوم القرآن

وأما القول بأن الناسخ السنة ، فيدفعه أن هذا الحديث آحادي والآحادي ظني والظني لا يقوى على نسخ القطعي وهو الآية . . وأما القول بأن الناسخ هو الاجماع فيدفعه ما بيناه من عدم جواز نسخ الاجماع والنسخ به ، نعم إن نسخ آية الوصية بآيات المواريث فيه شئ من الخفاء والاحتمال ، ولكن السنة النبوية أزالت الخفاء ورفعت الاحتمال ، حين أفادت أنها ناسخة ، إذ قال صلّى اللّه عليه وسلّم بعد نزول آية المواريث « إن اللّه أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث » . . وفي هذا المعنى ينقل عن الشافعي ما خلاصته . . « إن اللّه تعالى أنزل آية الوصية وأنزل آية المواريث ، فاحتمل أن تكون الوصية باقية مع المواريث واحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصية . وقد طلب العلماء ما يرجح أحد الاحتمالين ، فوجدوه في سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . « لا وصية لوارث » : وهذا الخبر وإن كان آحاديا لا يقوى على نسخ الآية فإنه لا يضعف عن بيانها وترجيح احتمال النسخ على احتمال عدمه فيها . هذا - ولا يفوتنا أن نشير إلى أن الشعبي والنخعي ذهبا إلى عدم نسخ آية الوصية ( مستندين إلى أن حكمها هو الندب لا الوجوب فلا تعارض بينها وبين آية المواريث ، كما لا تعارض بينها وبين حديث : لا وصية لوارث ) لأن معناه ، لا وصية واجبة وهو لا ينافي ندب الوصية وحيث لا تعارض فلا نسخ : ولكن هذا الرأي سقيم فيما نفهم ، لأنه خلاف الظاهر المتبادر من لفظ ( كتب ) المعروف في معنى ، الفرضية ، ومن لفظ ( حقا على المتقين ) المعروف في معنى الالزام . ومن شواهد السنة الناهية عن الوصية لوارث . الآية الثالثة وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ، فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ، وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فإنها تفيد تخيير من يطيق الصوم بين الصوم